الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

82

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تودّ عدوي ثم تزعم أنّني * صديقك ليس النوك عنك بعازب وجملة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ في قوة التذييل مثل جملة وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 284 ] المتقدمة . ولم يذكر متعلّق للصفتين ليكون الناس ساعين في تحصيل أسباب المغفرة والرحمة . [ 32 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 32 ] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 32 ) عودة إلى الموعظة بطريق الإجمال البحت : فذلكة للكلام ، وحرصا على الإجابة ، فابتدأ الموعظة أولا بمقدمة وهي قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ آل عمران : 10 ] ثم شرع في الموعظة بقوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : 12 ] الآية . وهو ترهيب ثم بذكر مقابله في الترغيب بقوله : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ [ آل عمران : 15 ] الآية ثم بتأييد ما عليه المسلمون بقوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] الآية وفي ذلك تفصيل كثير . ثم جاء بطريق المجادلة بقوله : فَإِنْ حَاجُّوكَ [ آل عمران : 20 ] الآية ثم بترهيب بغير استدلال صريح ولكن بالإيماء إلى الدليل وذلك قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [ آل عمران : 21 ] ثم بطريق التهديد والإنذار التعريضي بقوله : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [ آل عمران : 26 ] الآيات . ثم أمر بالقطيعة في قوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ [ آل عمران : 28 ] . وختم بذكر عدم محبة الكافرين ردّا للعجز على الصدر المتقدم في قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ [ آل عمران : 10 ] الآية ليكون نفي المحبة عن جميع الكافرين ، نفيا عن هؤلاء الكافرين المعيّنين . [ 33 ، 34 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 33 إلى 34 ] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 34 ) انتقال من تمهيدات سبب السورة إلى واسطة بين التمهيد والمقصد ، كطريقة التخلّص ، فهذا تخلّص لمحاجّة وفد نجران وقد ذكرناه في أول السورة ، فابتدئ هنا بذكر آدم ونوح وهما أبوا البشر أو أحدهما وذكر إبراهيم وهو أبو المقصودين بالتفضيل وبالخطاب . فأما آدم فهو أبو البشر باتفاق الأمم كلها إلّا شذوذا من أصحاب النزعات الإلحادية الذين ظهروا في أوروبا واخترعوا نظرية تسلسل أنواع الحيوان بعضها من بعض وهي نظرية فائلة .